البغدادي

551

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

فأتاهم تلك الليلة ، وهم يتذاكرون أمر الرّبيع ، فقال لهم : ما لكم تتناجون ؟ فكتموه ، وقالوا له : إليك عنّا . فقال : أخبروني فلعلّ لكم عندي فرجا . فزجروه ، فقال : لا واللّه لا أحفظ لكم ، ولا أسرّح لكم بعيرا أو تخبروني . وكانت أمّ لبيد عبسيّة في حجر الربيع ، فقالوا له : إنّ خالك قد غلبنا على الملك ، وصدّ عنّا وجهه . فقال لهم : هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه غدا ، حين يقعد الملك ، فأرجز به رجزا ممضّا مؤلما ، لا يلتفت إليه النّعمان بعده أبدا ؟ قالوا له : وهل عندك ذلك ؟ قال : نعم . قالوا : إنّا نبلوك بشتم هذه البقلة ، وقدّامهم بقلة دقيقة القضبان ، قليلة الورق ، لاصقة فروعها بالأرض - تدعى التربة - فاقتلعها من الأرض وأخذها بيده ، وقال : « هذه البقلة التّربة الثّفلة الرّذلة ، التي لا تذكي نارا ، ولا تسرّ جارا « 1 » ، عودها ضئيل ، وفرعها ذليل ، وخيرها قليل . بلدها شاسع ، ونبتها خاشع ، وآكلها جائع ، والمقيم عليها قانع . أقصر البقول فرعا ، وأخبثها مرعى ، وأشدّها قلعا ، فحربا لجارها وجدعا « 2 » . ألقوا بي أخا عبس ، أرجعه عنكم بتعس ونكس ، وأتركه من أمره في لبس » . فقالوا : نصبح ، ونرى فيك رأينا . فقال لهم عامر : انظروا إلى غلامكم هذا ، فإن رأيتموه نائما ، فليس أمره بشيء ، إنّما تكلّم بما جرى على لسانه . وإن رأيتموه ساهرا فهو صاحبكم . فرمقوه بأبصارهم ، فوجدوه قد ركب رحلا يكدم واسطته حتّى أصبح . فلمّا أصبحوا ، قالوا : أنت واللّه صاحبه « 3 » . فحلقوا رأسه ، وتركوا له ذؤابتين ، وألبسوه حلّة ، وغدوا به معهم ، فدخلوا على النّعمان ، فوجدوه يتغدّى ، ومعه الربيع ، ليس معه غيره ، والدّار والمجالس مملوءة بالوفد . فلمّا فرغ من الغداء أذن للجعفريّين فدخلوا عليه ، والربيع إلى جانبه . فذكروا

--> ( 1 ) في أمالي المرتضى : " ولا تؤهل دارا ولا تستر جارا " . ( 2 ) الحرب - بالتحريك - : نهب مال الرجل ، فيترك لا شيء معه . ( 3 ) أرادوا صاحب الربيع ، فإنك كفء له ، تستطيع مقارعته . أو إنك صاحب أمره فلا غيرك له .